الشيخ محمد النهاوندي

101

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الترتيب والتلاوة ، إلّا أنّها متأخّرة في النزول ، ويأتي بعض الكلام فيه عند تفسيرها إن شاء اللّه . ورابعها : قوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ . في ( الاحتجاج ) عن الكاظم ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليهم السّلام في حديث يذكر مناقب النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى « 1 » فكان فيما أوحى إليه الآية التي في سورة البقرة ، قوله تعالى : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 2 » . وقد كانت الآية عرضت على الأنبياء من لدن آدم إلى أن بعث اللّه تبارك اسمه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله ، وعرضت على الأمم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها ، وقبلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعرضها على امّته فقبلوها ، فلمّا رأى اللّه عزّ وجلّ منهم القبول علم أنّهم لا يطيقونها ، فلمّا صار « 3 » إلى ساق العرش كرّر عليه الكلام ليفهمه فقال : آمَنَ الرَّسُولُ » « 4 » . إلى أن قال الكاظم عليه السّلام : « ثمّ قال اللّه عزّ وجلّ : أمّا إذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها ، وقد عرضتها على الأمم فأبوا أن يقبلوها وقبلتها أمّتك ، فحقّ عليّ أن أرفعها عن أمّتك ، وقال : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 5 » الخبر . وروى الفخر الرازي في تفسيره ، عن ابن عبّاس ، أنّه قال : لمّا نزلت [ هذه ] الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وناس إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله فقالوا : يا رسول اللّه ، كلّفنا من العمل ما لا نطيق ، إنّ أحدنا ليحدّث نفسه بما لا يحبّ أن يثبت في قلبه ، وأنّ له الدنيا . فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله : « فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل : سَمِعْنا وَعَصَيْنا ! « 6 » قولوا : سمعنا وأطعنا » . واشتدّ ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا ، فأنزل اللّه : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها فنسخت هذه الآية ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه تجاوز عن امّتي ما حدّثوا به أنفسهم ما لم يعملوا ويتكلّموا به » « 7 » . أقول : قد دلّت هذه الرّواية أنّ الرّهط الذين شكوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله شدّة الآية لم يكونوا داخلين فيمن قبلها ، ولذلك قال لهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا ! قولوا : سمعنا

--> ( 1 ) . النجم : 53 / 9 و 10 . ( 2 ) . البقرة : 2 / 284 . ( 3 ) . في المصدر : فلما أن سار . ( 4 ) . البقرة : 2 / 285 . ( 5 ) . الاحتجاج : 220 ، والآية من سورة البقرة : 2 / 286 . ( 6 ) . البقرة : 2 / 93 . ( 7 ) . تفسير الرازي 7 : 125 .